فصل: أنواع الرّدّ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


ردّ

التّعريف

1 - الرّدّ في اللّغة‏:‏ مصدر رددت الشّيء، ومن معانيه منع الشّيء وصرفه، وردّ الشّيء أيضاً إرجاعه، وفي حديث عائشة‏:‏ » من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ «‏.‏ أي فهو مردود عليه‏.‏ وذلك إذا كان مخالفًا لما عليه السّنّة‏.‏

وردّ عليه الشّيء إذا لم يقبله‏.‏ وردّ فلاناً خطأه‏.‏ وتقول‏:‏ ردّه إلى منزله، وردّ إليه جواباً أي‏:‏ رجعه وأرسله‏.‏

ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ في الجملة عن معناه اللّغويّ‏.‏

والرّدّ في الإرث‏:‏ دفع ما فضل عن فرض ذوي الفروض النّسبيّة إليهم بقدر حقوقهم عند عدم استحقاق الغير‏.‏

انظر مصطلح‏:‏ ‏(‏إرث ف 63 ج 3/ص 49‏)‏‏.‏

والقسمة بالرّدّ هي الّتي يحتاج فيها لردّ أحد الشّريكين للآخر مالاً أجنبيّاً، كأن يكون في أحد الجانبين من أرضٍ مشتركةٍ بئر أو شجر لا تمكن قسمته، وما في الجانب الآخر لا يعادل ذلك إلاّ بضمّ شيءٍ إليه من خارجٍ، فيردّ من يأخذ الجانب الّذي فيه البئر أو الشّجر قسط قيمته أي قيمة ما ذكر من البئر أو الشّجر‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏قسمة‏)‏‏.‏

الحكم التّكليفيّ

2 - يختلف الحكم التّكليفيّ للرّدّ باختلاف موطنه كما يلي‏:‏

الرّدّ في العقود

موجبات الرّدّ

للرّدّ موجبات كثيرة منها ما يلي‏:‏

3 - أ - الاستحقاق‏:‏ فإذا ظهر كون الشّيء مستحقّاً للغير وجب ردّ الشّيء إلى مستحقّه، سواء كان ذلك في العقود كالبيع والهبة، أو في الجنايات كالغصب والسّرقة لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ »على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي «‏.‏

وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏استحقاق ج 3 /219، استرداد، ف 5 ج 3 /283‏)‏‏.‏

4 - ب - فسخ العقود غير اللازمة‏:‏ سواء كان عدم لزومها عائداً إلى طبيعتها، كالوديعة والشّركة، أو إلى دخول الخيار - بأنواعه - عليها كالبيع والإجارة، وحينئذٍ يكون لكلا الطّرفين، أو لمن ثبت له الخيار الفسخ، ويردّ كلّ ما في يده إلى صاحبه‏.‏

5- ج - بطلان العقد‏:‏ فإذا ظهر أنّ العقد باطل وجب على كلٍّ من المتعاقدين ردّ ما أخذه من الآخر وذلك لأنّ العقد الباطل لا وجود له شرعاً، ولا ينتج أيّ أثرٍ‏.‏

والعقد الفاسد عند الحنفيّة مستحقّ للفسخ حقّاً للّه تعالى، وهو يفيد الملك بالقبض، إلاّ أنّه ملك غير لازمٍ، والفسخ في البيع الفاسد يستلزم ردّ المبيع على بائعه، وردّ الثّمن على المشتري‏.‏

انظر‏:‏ ‏(‏استرداد‏)‏‏.‏

6- د - الإقالة‏:‏ ومحلّها العقود اللازمة‏.‏

ومقتضى الإقالة ردّ الأمر إلى ما كان عليه، أي ردّ المبيع إلى البائع، والثّمن إلى المشتري، سواء عند من اعتبرها فسخاً وهم الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن، أو عند من اعتبرها بيعاً في حقّ العاقدين وغيرهما وهم المالكيّة وأبو يوسف، أو عند من اعتبرها فسخاً في حقّ العاقدين بيعاً في حقّ غيرهما، وهو قول أبي حنيفة‏.‏

وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏إقالة ج 5 /324‏)‏

7 - هـ – انتهاء مدّة العقد‏:‏ إذا انتهت مدّة العقد في العقود المقيّدة بمدّةٍ فعلى المستأجر عند جمهور الفقهاء رفع يده وليس عليه الرّدّ‏.‏

قيل لأحمد‏:‏ إذا اكترى دابّةً أو استعار أو استودع فليس عليه أن يحمله ‏؟‏ فقال أحمد‏:‏ من استعار شيئاً فعليه ردّه من حيث أخذه، فأوجب الرّدّ في العاريّة ولم يوجبه في الإجارة الوديعة، ووجهه أنّه عقد لا يقتضي الضّمان فلا يقتضي ردّه ومؤنته، كالوديعة، وفارق العاريّة، فإنّ ضمانها يجب، فكذلك ردّها، وعلى هذا متى انقضت المدّة كانت العين في يد المستأجر أمانةً كالوديعة إن تلفت من غير تفريطٍ فلا ضمان عليه‏.‏

واختلف الشّافعيّة في ردّ المستأجر بعد انقضاء الإجارة، فمنهم من قال‏:‏ لا يلزمه قبل المطالبة، لأنّه أمانة فلا يلزمه ردّها قبل الطّلب كالوديعة، ومنهم من قال‏:‏ يلزمه لأنّه بعد انقضاء الإجارة غير مأذونٍ له في إمساكها فلزمه الرّدّ كالعاريّة المؤقّتة بعد انقضاء وقتها، فإن قلنا لا يلزمه الرّدّ لم يلزمه مؤنة الرّدّ كالوديعة، وإن قلنا يلزمه لزمه مؤنة الرّدّ كالعاريّة‏.‏

مسقطات الرّدّ في العقود

يسقط الرّدّ في العقود لعدّة أمورٍ منها ما يلي‏:‏

8 - أ - تصحيح العقد‏:‏ جمهور الفقهاء لا يفرّقون بين العقد الباطل والعقد الفاسد فهما عندهم بمعنىً واحدٍ، وقد اختلفوا فيما إذا وقع العقد باطلاً هل ينقلب صحيحاً إذا رفع المفسد أم لا ‏؟‏

فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العقد لا ينقلب صحيحاً برفع المفسد إذ لا عبرة بالفاسد‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ العقد الفاسد ينقلب صحيحاً إذا حذف الشّرط المفسد للعقد‏.‏

واستثنوا من ذلك بعض الشّروط فلا يصحّ العقد معها ولو حذف الشّرط، وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تصحيح ج 12/58 ف 11‏)‏‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين العقد الباطل والعقد الفاسد، فيصحّ عندهم أن ينقلب العقد الفاسد صحيحاً وذلك برفع المفسد‏.‏ ولا يصحّ ذلك في العقد الباطل، وإذا انقلب العقد الفاسد صحيحاً سقط الرّدّ لزوال موجبه‏.‏

انظر مصطلح‏:‏ ‏(‏تصحيح ج 12/58 ف 11، 12، 13، 14‏)‏‏.‏

9- ب - تجديد العقد‏:‏ ويتأتّى ذلك في العقود المقيّدة بمدّةٍ كالإجارة، فإذا اتّفق العاقدان على تجديد العقد لمدّةٍ أخرى سقط ردّ العين المؤجّرة لورود العقد عليها، ولزوال ما يوجبه وهو انتهاء فترة العقد‏.‏

10 - ج - سقوط الخيار‏:‏ ويكون ذلك في العقود غير اللازمة بسبب دخول الخيار عليها، فإذا سقط الخيار بأحد مسقطاته أصبح العقد لازماً وامتنع الرّدّ حينئذٍ‏.‏

والخيارات متعدّدة وكذلك مسقطاتها، وهي محلّ خلافٍ بين الفقهاء وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏خيار‏)‏‏.‏

أنواع الرّدّ

11 - يقسّم الحنفيّة ردّ المبيع بالعيب إلى ردٍّ بالقضاء وردٍّ بالتّراضي‏.‏ وتظهر ثمرة التّفريق بينهما في مسألة بيع المشتري للمبيع المعيب إلى ثالثٍ ثمّ ردّه عليه بعيبٍ، فمن اشترى شيئاً ثمّ باعه فردّ عليه بعيبٍ بقضاءٍ بإقرارٍ أو ببيّنةٍ أو نكولٍ، كان له أن يردّه على البائع الأوّل، لأنّه فسخ من الأصل فجعل البيع كأن لم يكن‏.‏ وإن قبله بالتّراضي فليس له أن يردّه على البائع الأوّل‏.‏

فالحنفيّة يعتبرون الرّدّ بالقضاء فسخاً، وبالتّراضي بيعاً جديداً في حقّ البائع الأوّل فسخاً في المشتري الأوّل والمشتري الثّاني‏.‏

ولم يفرّق الجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - بين الرّدّ بالقضاء والرّدّ بالتّراضي، فكلاهما يرفع العقد من أصله‏.‏

وينقسم ردّ المبيع كذلك إلى ردٍّ قهريٍّ، وردٍّ اختياريٍّ، فالرّدّ القهريّ كردّ المبيع بالعيب، والرّدّ الاختياريّ كالإقالة‏.‏

ردّ مال المحجور عليه

12 - إذا بلغ المحجور عليه ورشد وجب على وليّه دفع المال إليه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ‏}‏‏.‏

وتفصيل ذلك في ‏(‏رشد، حجر‏)‏‏.‏

ردّ السّلام

13 - ردّ السّلام واجب في الجملة عند الفقهاء‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ قال في شرح الشّرعة‏:‏ اعلم أنّهم قالوا‏:‏ إنّ السّلام سنّة وإسماعه مستحبّ، وجوابه أي ردّه فرض كفايةٍ، وإسماع ردّه واجب بحيث لو لم يسمعه لا يسقط هذا الفرض عن السّامع، حتّى قيل‏:‏ لو كان المسلّم أصمّ يجب على الرّادّ أن يحرّك شفتيه ويريه، بحيث لو لم يكن أصمّ لسمعه‏.‏

قال الشّيخ عميرة‏:‏ هو - أي ردّ السّلام - حقّ للّه تعالى‏.‏

وهناك تفصيلات تنظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏سلام‏)‏‏.‏

ردّ الشّهادة

14 - الأصل في ردّ الشّهادة التّهمة أي الشّكّ والرّيبة في صحّة الشّهادة، لأنّها خبر يحتمل الصّدق والكذب، وإنّما يكون حجّةً إذا ترجّح جانب الصّدق فيه، وبالتّهمة لا يترجّح‏.‏ والتّهمة قد تكون لمعنىً في الشّاهد كالفسق، فإنّ من لا ينزجر عن غير الكذب من محظورات دينه فقد لا ينزجر عنه أيضاً، فكان متّهماً بالكذب، وقد تكون لمعنىً في المشهود له من قرابةٍ يتّهم بها بإيثار المشهود له على المشهود عليه، كقرابة الولادة‏.‏ وقد تكون لخللٍ في التّمييز كالعمى المفضي إلى تهمة الغلط في الشّهادة‏.‏ وقد تكون بالعجز عمّا جعله الشّارع دليلاً على صدقه كالمحدود في القذف، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ‏}‏‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏شهادة‏)‏‏.‏

ردّ اليمين

15 - إذا وجبت اليمين على المدّعى عليه فامتنع، وحكم القاضي بأنّه ناكل، فقد اختلف الفقهاء فذهب بعضهم إلى أنّ القاضي يحكم بالحقّ بالنّكول، وذهب آخرون إلى أنّه يردّ اليمين على المدّعي، فإذا حلف حكم له‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏قضاء، إثبات، وأيمان، ونكول‏)‏‏.‏

ردّ مال الغير

16 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من أخذ مال الغير بطريق غير شرعيٍّ كالغصب فإنّه يجب عليه ردّه إلى صاحبه فوراً، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « ولأنّ المظالم يجب التّخلّص منها فوراً، لأنّ بقاءها بيده ظلم آخر‏.‏

وكذا السّارق يجب عليه ردّ العين المسروقة إن كانت قائمةً اتّفاقاً‏.‏

فإن هلكت أو استهلكت وجب عليه ردّ مثلها إن كانت مثليّةً، وإلاّ فقيمتها، سواء قطع أو لم يقطع، وهذا مذهب الشّافعيّة والحنابلة، وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن قطع في السّرقة والعين هالكة لا يضمن حينئذٍ، فلا يجتمع عندهم القطع والغرم، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا يغرم صاحب سرقةٍ إذا أقيم عليه الحدّ « وفي رواية البزّار » لا يضمن السّارق سرقته بعد إقامة الحدّ « وفي روايةٍ » لا غرم على السّارق بعد قطع يمينه «‏.‏

ولأنّ وجوب الضّمان ينافي القطع، لأنّه لو ضمنه لملكه ملكاً مستنداً إلى وقت الأخذ فتبيّن أنّه ورد على ملكه فينتفي القطع للشّبهة وما يؤدّي إلى انتفائه فهو المنتفي‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّه إن كان موسراً يوم القطع ضمن قيمة المسروق، وإن كان عديماً لم يضمن ولم يغرم‏.‏

وكذلك يجب ردّ مال الغير إذا أخذه بطريقٍ شرعيٍّ عندما يوجد ما يوجب الرّدّ، وذلك كردّ اللّقطة عند ظهور المالك، الوديعة والعاريّة عند الطّلب‏.‏

مؤنة الرّدّ

17 - من أحكام العقد الفاسد الفسخ وردّ المبيع إلى بائعه والثّمن إلى المشتري، وتكون مؤنة ردّ المبيع على المشتري، وذلك لأنّ المبيع إذا كان واجب الرّدّ، وجب أن تكون مؤنة الرّدّ على من وجب عليه الرّدّ وهو المشتري‏.‏

ونصّ الفقهاء على أنّ مؤنة ردّ العاريّة على المستعير لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي «‏.‏

وذهب الفقهاء أيضاً إلى أنّ مؤنة ردّ المغصوب على الغاصب للحديث المتقدّم، ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا يأخذنّ أحدكم متاع صاحبه لاعباً أو جادّاً، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليرددها عليه « ولأنّ المؤنة من ضرورات الرّدّ، فإذا وجب عليه الرّدّ وجب عليه ما هو من ضروراته كما في ردّ العاريّة‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏مؤنة‏)‏

ردّة

التّعريف

1 - الرّدّة لغةً‏:‏ الرّجوع عن الشّيء، ومنه الرّدّة عن الإسلام‏.‏

يقال‏:‏ ارتدّ عنه ارتداداً أي تحوّل‏.‏ والاسم الرّدّة، والرّدّة عن الإسلام‏:‏ الرّجوع عنه‏.‏ وارتدّ فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ الرّدّة‏:‏ كفر المسلم بقولٍ صريحٍ أو لفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمّنه‏.‏

شرائط الرّدّة

2 - لا تقع الرّدّة من المسلم إلاّ إذا توفّرت شرائط البلوغ والعقل والاختيار‏.‏

ردّة الصّبيّ

3 - ردّة الصّبيّ لا تعتبر عند أبي يوسف والشّافعيّ، وهو رواية عند أبي حنيفة على مقتضى القياس، وقول لأحمد‏.‏

وقال أبو حنيفة في الرّواية الأخرى ومحمّد‏:‏ يحكم بردّة الصّبيّ استحساناً، وهو مذهب المالكيّة والمشهور عن أحمد‏.‏

المرتدّ قبل البلوغ لا يقتل

4 - ذهب القائلون بوقوع ردّة الصّبيّ إلى أنّه لا يقتل قبل بلوغه‏.‏

وقال الشّافعيّ‏:‏ إنّ الصّبيّ إذا ارتدّ لا يقتل حتّى بعد بلوغه، قال في الأمّ‏:‏ ‏"‏ فمن أقرّ بالإيمان قبل البلوغ وإن كان عاقلاً، ثمّ ارتدّ قبل البلوغ أو بعده، ثمّ لم يتب بعد البلوغ، فلا يقتل، لأنّ إيمانه لم يكن وهو بالغ، ويؤمر بالإيمان، ويجهد عليه بلا قتلٍ ‏"‏‏.‏

ردّة المجنون

5 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا صحّة لإسلام مجنونٍ ولا لردّته‏.‏ ويترتّب على ذلك‏:‏ أنّ أحكام الإسلام تبقى سائرةً عليه‏.‏

لكن إن كان يجنّ ساعةً ويفيق أخرى، فإن كانت ردّته في إفاقته وقعت، وإن كانت في جنونه لا تقع، كما نقل ذلك الكاسانيّ‏.‏

ردّة السّكران

6 - ذهب الحنفيّة وهو قول للشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ ردّة السّكران لا تعتبر، وحجّتهم في ذلك‏:‏ أنّ الرّدّة تبنى على الاعتقاد، والسّكران غير معتقدٍ لما يقول‏.‏

وذهب أحمد في أظهر الرّوايتين عنه، والشّافعيّة في المذهب إلى وقوع ردّة السّكران، وحجّتهم‏:‏ أنّ الصّحابة أقاموا حدّ القذف على السّكران، وأنّه يقع طلاقه، فتقع ردّته، وأنّه مكلّف، وأنّ عقله لا يزول كلّيّاً، فهو أشبه بالنّاعس منه بالنّائم أو المجنون‏.‏

المكره على الرّدّة

7 - الإكراه‏:‏ اسم لفعلٍ يفعله المرء بغيره، فينتفي به رضاه، أو يفسد به اختياره، من غير أن تنعدم به أهليّته، أو يسقط عنه الخطاب‏.‏

والإكراه نوعان‏:‏ نوعٌ يوجب الإلجاء والاضطرار طبعاً، كالإكراه بالقتل أو القطع أو الضّرب الّذي يخاف فيه تلف النّفس أو العضو، قلّ الضّرب أو كثر‏.‏وهذا النّوع يسمّى إكراها تامّاً‏.‏ ونوعٌ لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس أو القيد أو الضّرب الّذي لا يخاف منه التّلف، وهذا النّوع من الإكراه يسمّى إكراهاً ناقصاً‏.‏

8- واتّفق الفقهاء على أنّ من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر، لم يصر كافراً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ‏}‏‏.‏

وما نقل من أنّ عمّار بن ياسرٍ - رضي الله عنهما - حمله المشركون على ما يكره فجاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ » إن عادوا فعد «، وهذا في الإكراه التّامّ‏.‏

9- ومن أكره على الإسلام فأسلم ثمّ ارتدّ قبل أن يوجد منه ما يدلّ على الإسلام طوعاً، مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه، فإن كان ممّن لا يجوز إكراههم على الإسلام - وهم أهل الذّمّة والمستأمنون - فلا يعتبر مرتدّاً، ولا يجوز قتله ولا إجباره على الإسلام، لعدم صحّة إسلامه ابتداءً‏.‏

أمّا إن كان من أكره على الإسلام ممّن يجوز إكراهه وهو الحربيّ والمرتدّ، فإنّه يعتبر مرتدّاً برجوعه عن الإسلام، ويطبّق عليه أحكام المرتدّين‏.‏

ما تقع به الرّدّة

10 - تنقسم الأمور الّتي تحصل بها الرّدّة إلى أربعة أقسامٍ‏:‏

أ - ردّة في الاعتقاد‏.‏

ب - ردّة في الأقوال‏.‏

ج - ردّة في الأفعال‏.‏

د - ردّة في التّرك‏.‏

إلاّ أنّ هذه الأقسام تتداخل، فمن اعتقد شيئاً عبّر عنه بقولٍ، أو فعلٍ، أو تركٍ‏.‏

ما يوجب الرّدّة من الاعتقاد

11 - اتّفق الفقهاء على أنّ من أشرك باللّه، أو جحده، أو نفى صفةً ثابتةً من صفاته، أو أثبت للّه الولد فهو مرتدّ كافر‏.‏

وكذلك من قال بقدم العالم أو بقائه، أو شكّ في ذلك‏.‏

ودليلهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ‏}‏‏.‏

وقال ابن دقيق العيد‏:‏ ‏"‏ لأنّ حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتّواتر، بالنّقل عن صاحب الشّريعة، فيكفر بسبب مخالفته النّقل المتواتر ‏"‏‏.‏

12 - ويكفر من جحد القرآن كلّه أو بعضه، ولو كلمةً‏.‏

وقال البعض‏:‏ بل يحصل الكفر بجحد حرفٍ واحدٍ‏.‏ كما يقع الكفر باعتقاد تناقضه واختلافه، أو الشّكّ بإعجازه، والقدرة على مثله، أو إسقاط حرمته، أو الزّيادة فيه‏.‏

أمّا تفسير القرآن وتأويله، فلا يكفر جاحده، ولا رادّه، لأنّه أمر اجتهاديّ من فعل البشر‏.‏ وقد نصّ ابن قدامة على أنّ استحلال دماء المعصومين وأموالهم، إن جرى بتأويل القرآن - كما فعل الخوارج - لم يكفر صاحبه‏.‏

ولعلّ السّبب أنّ الاستحلال جرى باجتهادٍ خاطئٍ، فلا يكفر صاحبه‏.‏

13 - وكذلك يعتبر مرتدّاً من اعتقد كذب النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض ما جاء به، ومن اعتقد حلّ شيءٍ مجمعٍ على تحريمه، كالزّنا وشرب الخمر، أو أنكر أمراً معلوماً من الدّين بالضّرورة‏.‏

حكم سبّ اللّه تعالى

14 - اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ اللّه تعالى كفر، سواء كان مازحاً أو جادّاً أو مستهزئاً‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏‏.‏

واختلفوا في قبول توبته‏:‏ فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى قبولها، وهو الرّاجح عند المالكيّة‏.‏ ولم نجد للشّافعيّة تفرقةً بين الرّدّة بذلك وبين الرّدّة بغيره‏.‏

حكم سبّ الرّسول

15 - السّبّ هو الكلام الّذي يقصد به الانتقاد والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السّبّ في عقول النّاس، على اختلاف اعتقاداتهم، كاللّعن والتّقبيح‏.‏

وحكم سابّه صلى الله عليه وسلم أنّه مرتدّ بلا خلافٍ‏.‏

ويعتبر سابّاً له صلى الله عليه وسلم كلّ من ألحق به صلى الله عليه وسلم عيباً أو نقصاً، في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلةٍ من خصاله، أو ازدراه، أو عرّض به، أو لعنه، أو شتمه، أو عابه، أو قذفه، أو استخفّ به، ونحو ذلك‏.‏

هل يقتل السّابّ ردّةً أم حدّاً‏؟‏

16 – قال الحنفيّة والحنابلة وابن تيميّة‏:‏ إنّ سابّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعتبر مرتدّاً، كأيّ مرتدٍّ، لأنّه بدّل دينه فيستتاب، وتقبل توبته‏.‏

أمّا الشّافعيّة - فيما ينقله السّبكيّ - فيرون أنّ سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ردّة وزيادة، وحجّتهم أنّ السّابّ كفر أوّلاً، فهو مرتدّ، وأنّه سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاجتمعت على قتله علّتان كلّ منهما توجب قتله وصرّح المالكيّة بأنّ سابّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يستتاب إلاّ أن يكون كافراً فيسلم‏.‏

حكم سبّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

17 - من الأنبياء من هم محلّ اتّفاقٍ على نبوّتهم، فمن سبّهم فكأنّما سبّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم وسابّه كافر، فكذا كلّ نبيٍّ مقطوعٍ بنبوّته، وعلى ذلك اتّفق الفقهاء‏.‏

وإن كان نبيّاً غير مقطوعٍ بنبوّته، فمن سبّه زجر، وأدّب ونكل به، لكن لا يقتل، صرّح بهذا الحنفيّة‏.‏

حكم سبّ زوجات النّبيّ صلى الله عليه وسلم

18 - اتّفق الفقهاء على أنّ من قذف عائشة رضي الله عنها، فقد كذّب صريح القرآن الّذي نزل بحقّها، وهو بذلك كافر قال تعالى في حديث الإفك بعد أن برّأها اللّه منه‏:‏ ‏{‏يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏ فمن عاد لذلك فليس بمؤمنٍ‏.‏

وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النّبيّ صلى الله عليه وسلم ورضي اللّه عنهنّ ‏؟‏

قال الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح واختاره ابن تيميّة‏:‏ إنّهنّ مثلها في ذلك‏.‏ واستدلّ لذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏‏.‏

والطّعن بهنّ يلزم منه الطّعن بالرّسول والعار عليه، وذلك ممنوع‏.‏

والقول الآخر وهو مذهب للشّافعيّة والرّواية الأخرى للحنابلة‏:‏ إنّهنّ - سوى عائشة - كسائر الصّحابة، وسابّهنّ يجلد، لأنّه قاذف‏.‏

أمّا سابّ الخلفاء فهو لا يكفر، وتوبته مقبولة‏.‏

حكم من قال لمسلمٍ يا كافر

19 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أيّما امرئٍ قال لأخيه‏:‏ يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه «

وقال الحنفيّة بفسق القائل‏.‏

قال السّمرقنديّ‏:‏ وأمّا التّعزير فيجب في ٍجنايةٍ ليست بموجبةٍ للحدّ، بأن قال‏:‏ يا كافر، أو يا فاسق، أو يا فاجر‏.‏

وقال الحنابلة من أطلق الشّارع كفره، مثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ صلى الله عليه وسلم «‏.‏ فهذا كفر لا يخرج عن الإسلام بل هو تشديد‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ من كفّر مسلماً ولو لذنبه كفر، لأنّه سمّى الإسلام كفراً، ولخبر مسلمٍ‏:‏ » من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدوّ اللّه وليس كذلك إلاّ حار عليه «‏.‏ أي رجع عليه هذا إن كفّره بلا تأويلٍ للكفر بكفر النّعمة أو نحوه وإلاّ فلا يكفر، وهذا ما نقله الأصل عن المتولّي، وأقرّه، والأوجه ما قاله النّوويّ في شرح مسلمٍ أنّ الخبر محمول على المستحلّ فلا يكفر غيره، وعليه يحمل قوله في أذكاره أنّ ذلك يحرم تحريماً مغلّظاً‏.‏

ما يوجب الرّدّة من الأفعال

20 - اتّفق الفقهاء على أنّ إلقاء المصحف كلّه في محلٍّ قذرٍ يوجب الرّدّة، لأنّ فعل ذلك استخفاف بكلام اللّه تعالى، فهو أمارة عدم التّصديق‏.‏

وقال الشّافعيّة والمالكيّة‏:‏ وكذا إلقاء بعضه‏.‏ وكذا كلّ فعلٍ يدلّ على الاستخفاف بالقرآن الكريم‏.‏

كما اتّفقوا على أنّ من سجد لصنمٍ، أو للشّمس، أو للقمر فقد كفر‏.‏

ومن أتى بفعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالإسلام، فقد كفر‏.‏ قال بهذا الحنفيّة ودليلهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ‏}‏‏.‏

الرّدّة لترك الصّلاة

21 - لا خلاف في أنّ من ترك الصّلاة جاحداً لها يكون مرتدّاً، وكذا الزّكاة والصّوم والحجّ، لأنّها من المجمع عليه المعلوم من الدّين بالضّرورة‏.‏

وأمّا تارك الصّلاة كسلاً ففي حكمه ثلاثة أقوالٍ‏:‏

أحدها‏:‏ يقتل ردّةً، وهي رواية عن أحمد وقول سعيد بن جبيرٍ، وعامرٍ الشّعبيّ، وإبراهيم النّخعيّ، وأبي عمرٍو، والأوزاعيّ، وأيّوب السّختيانيّ، وعبد اللّه بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وعبد الملك بن حبيبٍ من المالكيّة، وهو أحد الوجهين من مذهب الشّافعيّ، وحكاه الطّحاويّ عن الشّافعيّ نفسه، وحكاه أبو محمّد بن حزمٍ عن عمر بن الخطّاب، ومعاذ بن جبلٍ، وعبد الرّحمن بن عوفٍ، وأبي هريرة، وغيرهم من الصّحابة‏.‏

والقول الثّاني‏:‏ يقتل حدّاً لا كفراً، وهو قول مالكٍ والشّافعيّ، وهي رواية عن أحمد‏.‏ والقول الثّالث‏:‏ أنّ من ترك الصّلاة كسلاً يكون فاسقاً ويحبس حتّى يصلّي، وهو المذهب عند الحنفيّة‏.‏

جنايات المرتدّ والجناية عليه

22 - جنايات المرتدّ على غيره لا تخلو‏:‏ إمّا أن تكون عمداً أو خطأً، وكلّ منها، إمّا أن تقع على مسلمٍ، أو ذمّيٍّ، أو مستأمنٍ، أو مرتدٍّ مثله‏.‏

وهذه الجنايات إمّا أن تكون على النّفس بالقتل، أو على ما دونها، كالقطع والجرح، أو على العرض كالزّنى والقذف، أو على المال كالسّرقة وقطع الطّريق‏.‏

وهذه الجنايات قد تقع في بلاد الإسلام، ثمّ يهرب المرتدّ إلى بلاد الحرب، أو لا يهرب، أو تقع في بلاد الحرب، ثمّ ينتقل المرتدّ إلى بلاد الإسلام‏.‏ وقد تقع منه هذه كلّها في إسلامه، أو ردّته، وقد يستمرّ على ردّته أو يعود مسلماً، وقد تقع منه منفرداً، أو في جماعةٍ، أو أهل بلدٍ‏.‏

ومثل هذا يمكن أن يقال في الجناية على المرتدّ‏.‏

جناية المرتدّ على النّفس

23 - إذا قتل مرتدّ مسلماً عمداً فعليه القصاص، اتّفاقاً‏.‏

أمّا إذا قتل المرتدّ ذمّيّاً أو مستأمناً عمداً فيقتل به عند الحنفيّة والحنابلة وهو أظهر قولي الشّافعيّ، لأنّه أسوأ حالاً من الذّمّيّ، إذ المرتدّ مهدر الدّم ولا تحلّ ذبيحته، ولا مناكحته، ولا يقرّ بالجزية‏.‏

ولا يقتل عند المالكيّة وهو القول الآخر للشّافعيّ لبقاء علقة الإسلام، لأنّه لا يقرّ على ردّته‏.‏ وإذا قتل المرتدّ حرّاً مسلماً أو ذمّيّاً خطأً وجبت الدّية في ماله، ولا تكون على عاقلته عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

والدّية يشترط لها عصمة الدّم لا الإسلام عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، لأنّه قد حلّ دمه وصار بمنزلة أهل الحرب‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ بأنّ الضّمان على بيت المال، لأنّ بيت المال يأخذ أرش الجناية عليه ممّن جنى فكما يأخذ ماله يغرم عنه‏.‏ وهذا إن لم يتب‏.‏ فإن تاب فقيل‏:‏ في ماله، وقيل‏:‏ على عاقلته، وقيل‏:‏ على المسلمين، وقيل‏:‏ على من ارتدّ إليهم‏.‏

جناية المرتدّ على ما دون النّفس

24 - قال المالكيّة‏:‏ لا فرق في جناية المرتدّ بين ما إذا كانت على النّفس أو على ما دونها، ولا يقتل المرتدّ بالذّمّيّ، وإنّما عليه الدّية في ماله لزيادته على الذّمّيّ بالإسلام الحكميّ‏.‏

وقال ابن قدامة‏:‏ يقتل المرتدّ بالمسلم والذّمّيّ‏.‏ وإن قطع طرفاً من أحدهما فعليه القصاص فيه أيضاً‏.‏

وقال بعض أصحاب الشّافعيّ‏:‏ لا يقتل المرتدّ بالذّمّيّ ولا يقطع طرفه بطرفه، لأنّ أحكام الإسلام في حقّه باقية بدليل وجوب العبادات عليه ومطالبته بالإسلام‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ ولنا‏:‏ أنّه كافر فيقتل بالذّمّيّ كالأصليّ‏.‏

وفي مغني المحتاج‏:‏ الأظهر قتل المرتدّ بالذّمّيّ لاستوائهما في الكفر‏.‏ بل المرتدّ أسوأ حالاً من الذّمّيّ لأنّه مهدر الدّم فأولى أن يقتل بالذّمّيّ‏.‏

زنى المرتدّ

25 - إذا زنى مرتدّ أو مرتدّة وجب عليه الحدّ، فإن لم يكن محصناً جلد‏.‏ وإن كان محصناً ففي زوال الإحصان بردّته خلاف‏.‏ أساسه الخلاف في شروط الإحصان، هل من بينها الإسلام أم لا ‏؟‏

قال الحنفيّة والمالكيّة‏:‏ من ارتدّ بطل إحصانه، إلاّ أن يتوب أو يتزوّج ثانيةً‏.‏

وقال الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف‏:‏ إنّ الرّدّة لا تؤثّر في الإحصان، لأنّ الإسلام ليس من شروط الإحصان‏.‏

قذف المرتدّ غيره

26 - إذا قذف المرتدّ غيره، وجب عليه الحدّ بشروطه، إلاّ أن يحصل منه ذلك في دار الحرب، حيث لا سلطة للمسلمين‏.‏

والقضيّة مبنيّة على شرائط القذف، وليس من بينها إسلام القاذف‏.‏

إتلاف المرتدّ المال

27 - إذا اعتدى مرتدّ على مال غيره - في بلاد الإسلام - فهو ضامن بلا خلافٍ، لأنّ الرّدّة جناية، وهي لا تمنح صاحبها حقّ الاعتداء‏.‏

السّرقة وقطع الطّريق

28 - إذا سرق المرتدّ مالاً، أو قطع الطّريق، فهو كغيره مؤاخذ بذلك، لأنّه ليس من شرائط السّرقة أو قطع الطّريق الإسلام‏.‏ لذا فالمسلم والمرتدّ في ذلك سواء‏.‏

مسئوليّة المرتدّ عن جناياته قبل الرّدّة

29 - إذا جنى مسلم على غيره، ثمّ ارتدّ الجاني يكون مؤاخذاً بكلّ ما فعل سواء استمرّ على ردّته أو تاب عنها‏.‏

الارتداد الجماعيّ

30 - المقصود بالارتداد الجماعيّ‏:‏ هو أن تفارق الإسلامَ جماعةٌ من أهله، أو أهل بلدٍ‏.‏ كما حدث على عهد الخليفة الرّاشد أبي بكرٍ رضي الله عنه‏.‏ فإن حصل ذلك، فقد اتّفق الفقهاء على وجوب قتالهم مستدلّين بما فعله أبو بكرٍ بأهل الرّدّة‏.‏

ثمّ اختلفوا بمصير دارهم على قولين‏:‏

الأوّل للجمهور ‏"‏ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ‏"‏‏:‏ إذا أظهروا أحكام الشّرك فيها، فقد صارت دارهم دار حربٍ، لأنّ البقعة إنّما تنسب إلينا، أو إليهم باعتبار القوّة والغلبة‏.‏ فكلّ موضعٍ ظهر فيه أحكام الشّرك فهو دار حربٍ، وكلّ موضعٍ كان الظّاهر فيه أحكام الإسلام، فهو دار إسلامٍ‏.‏

وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إنّما تصير دار المرتدّين دار حربٍ بثلاث شرائط‏:‏

أوّلاً‏:‏ أن تكون متاخمةً أرض الشّرك، ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين‏.‏

ثانياً‏:‏ أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه، ولا ذمّيّ آمن بأمانه‏.‏

ثالثاً‏:‏ أن يظهروا أحكام الشّرك فيها‏.‏

فأبو حنيفة يعتبر تمام القهر والقوّة، لأنّ هذه البلدة كانت من دار الإسلام، محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الإحراز، إلاّ بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشّرائط الثّلاث‏.‏

الجناية على المرتدّ

31 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا ارتدّ مسلم فقد أهدر دمه، لكن قتله للإمام أو نائبه، ومن قتله من المسلمين عزّر فقط، لأنّه افتات على حقّ الإمام، لأنّ إقامة الحدّ له‏.‏

وأمّا إذا قتله ذمّيّ، فذهب الجمهور ‏"‏ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر ‏"‏ إلى أنّه لا يقتصّ من الذّمّيّ‏.‏

وذهب الشّافعيّة في القول الآخر إلى أنّه يقتصّ من الذّمّيّ‏.‏

الجناية على المرتدّ فيما دون النّفس

32 - اتّفق الفقهاء على أنّ الجناية على المرتدّ هدر، لأنّه لا عصمة له‏.‏

أمّا إذا وقعت الجناية على مسلمٍ ثمّ ارتدّ فسرت ومات منها، أو وقعت على مرتدٍّ ثمّ أسلم فسرت ومات منها ففيها أقوال تنظر في باب ‏"‏ القصاص ‏"‏ من كتب الفقه‏.‏

قذف المرتدّ

33 - اتّفق الفقهاء على عدم وجوب الحدّ على قاذف المرتدّ، لأنّ من شروط وجوب حدّ القذف‏:‏ أن يكون المقذوف مسلماً‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏قذف‏)‏

ثبوت الرّدّة

34 - تثبت الرّدّة بالإقرار أو بالشّهادة‏.‏

وتثبت الرّدّة عن طريق الشّهادة، بشرطين‏:‏

أ - شرط العدد‏:‏

اتّفق الفقهاء على الاكتفاء بشاهدين في ثبوت الرّدّة، ولم يخالف في ذلك إلاّ الحسن، فإنّه اشترط شهادة أربعةٍ‏.‏

ب - تفصيل الشّهادة‏:‏

يجب التّفصيل في الشّهادة على الرّدّة بأن يبيّن الشّهود وجه كفره، نظراً للخلاف في موجباتها، وحفاظاً على الأرواح‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏إثبات، وشهادة‏)‏‏.‏

وإذا ثبتت الرّدّة بالإقرار وبالشّهادة فإنّه يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل‏.‏

وإن أنكر المرتدّ ما شهد به عليه اعتبر إنكاره توبةً ورجوعاً عند الحنفيّة فيمتنع القتل في حقّه‏.‏

وعند الجمهور‏:‏ يحكم عليه بالشّهادة ولا ينفعه إنكاره، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلماً‏.‏

استتابة المرتدّ

حكمها‏:‏

35 - ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ - في قولٍ - وأحمد في روايةٍ والحسن البصريّ إلى أنّ استتابة المرتدّ غير واجبةٍ‏.‏ بل مستحبّة كما يستحبّ الإمهال، إن طلب المرتدّ ذلك، فيمهل ثلاثة أيّامٍ‏.‏

وعند مالكٍ تجب الاستتابة ويمهل ثلاثة أيّامٍ‏.‏ وهو المذهب عند الحنابلة، وعند الشّافعيّ في أظهر الأقوال يجب الاستتابة وتكون في الحال فلا يمهل‏.‏

وثبتت الاستتابة بما ورد » أنّ امرأةً يقال لها أمّ رومان ارتدّت فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلاّ قتلت «‏.‏

ولأثرٍ عن عمر رضي الله عنه أنّه استتاب المرتدّ ثلاثاً‏.‏

كيفيّة توبة المرتدّ

36 - قال الحنفيّة‏:‏ توية المرتدّ أن يتبرّأ عن الأديان سوى الإسلام، أو عمّا انتقل إليه بعد نطقه بالشّهادتين، ولو أتى بالشّهادتين على وجه العادة أو بدون التّبرّي لم ينفعه ما لم يرجع عمّا قال إذ لا يرتفع بهما كفره‏.‏

قالوا‏:‏ إن شهد الشّاهدان على مسلمٍ بالرّدّة وهو منكر لا يتعرّض له لا لتكذيب الشّهود، بل لأنّ إنكاره توبة ورجوع، فيمتنع القتل فقط وتثبت بقيّة أحكام الرّدّة‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ ويحتمل أن يكون الإنكار مع الإقرار بالشّهادتين‏.‏

وإذا نطق المرتدّ بالشّهادتين‏:‏ صحّت توبته عند الحنفيّة، والشّافعيّة، والحنابلة، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ » أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا‏:‏ لا إله إلاّ اللّه، فمن قال‏:‏ لا إله إلاّ اللّه عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه وحسابه على اللّه «‏.‏ متّفق عليه‏.‏

وحيث إنّ الشّهادة يثبت بها إسلام الكافر الأصليّ فكذا المرتدّ‏.‏

فإذا ادّعى المرتدّ الإسلام، ورفض النّطق بالشّهادتين، لا تصحّ توبته‏.‏

وصرّح الحنابلة بأنّ المرتدّ إن مات، فأقام وارثه بيّنةً أنّه صلّى بعد الرّدّة‏:‏ حكم بإسلامه‏.‏ ويؤخذ من ذلك أنّه تحصل توبة المرتدّ بصلاته‏.‏

وقال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ لا بدّ في إسلام المرتدّ من الشّهادتين فإن كان كفره لإنكار شيءٍ آخر، كمن خصّص رسالة محمّدٍ بالعرب أو جحد فرضاً أو تحريماً فيلزمه مع الشّهادتين الإقرار بما أنكر‏.‏

قال الحنابلة‏:‏ ولو صلّى المرتدّ حكم بإسلامه إلاّ أن تكون ردّته بجحد فريضةٍ، أو كتابٍ، أو نبيٍّ، أو ملكٍ، أو نحو ذلك من البدع المكفّرة الّتي ينتسب أهلها إلى الإسلام، فإنّه لا يحكم بإسلامه بمجرّد صلاته، لأنّه يعتقد وجوب الصّلاة ويفعلها مع كفره‏.‏ وأمّا لو زكّى أو صام فلا يكفي ذلك للحكم بإسلامه، لأنّ الكفّار يتصدّقون، والصّوم أمر باطن لا يعلم‏.‏

واختلف الفقهاء في قبول توبة الزّنديق، وتوبة من تكرّرت ردّته، وتوبة السّاحر على أقوالٍ ينظر تفصيلها في مصطلح‏:‏ ‏(‏توبة‏)‏‏.‏

توبة سابّ اللّه تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم

37 - قال الحنفيّة بقبول توبة سابّ اللّه تعالى‏.‏ وكذا الحنابلة، مع ضرورة تأديب السّابّ وعدم تكرّر ذلك منه ثلاثاً‏.‏

وفي المذهب المالكيّ خلاف، الرّاجح عندهم قبول توبته، وهو رأي ابن تيميّة‏.‏

أمّا سابّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقد ذهب الحنفيّة، والحنابلة إلى قبول توبته‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ تقبل توبة قاذفه صلى الله عليه وسلم على الأصحّ، وقال أبو بكرٍ الفارسيّ‏:‏ يقتل حدّاً ولا يسقط بالتّوبة، وقال الصّيدلانيّ‏:‏ يجلد ثمانين جلدةً، لأنّ الرّدّة ارتفعت بإسلامه وبقي جلده‏.‏

وفي قولٍ عند الحنابلة‏:‏ لا تقبل توبته‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ من شتم نبيّاً مجمعاً على نبوّته بقرآنٍ أو نحوه فإنّه يقتل ولا تقبل توبته، لأنّ كفره يشبه كفر الزّنديق، ويقتل حدّاً لا كفراً إن قتل بعد توبته لأنّ قتله حينئذٍ لأجل ازدرائه لا لأجل كفره‏.‏

توبة من تكرّرت ردّته

38 - من تكرّرت ردّته وتوبته قال الأحناف والشّافعيّة‏:‏ تقبل توبته‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ‏}‏ وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة،فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام وحسابهم على اللّه وفي قولٍ عند الحنفيّة ورواية عند الحنابلة‏:‏ توبة من تكرّرت ردّته لا تقبل‏.‏

وحجّتهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً‏}‏ ولأنّ تكرار الرّدّة، دليل على فساد العقيدة، وقلّة المبالاة‏.‏

توبة السّاحر

39 - قال الحنفيّة والشّافعيّة‏:‏ بعدم قبول توبة السّاحر، وعن أحمد روايتان‏.‏

وانظر مصطلحي‏:‏ ‏(‏توبة، وسحر‏)‏‏.‏

قتل المرتدّ

40 - إذا ارتدّ مسلم، وكان مستوفياً لشرائط الرّدّة، أهدر دمه، وقتله للإمام أو نائبه بعد الاستتابة‏.‏ فلو قتل قبل الاستتابة فقاتله مسيء، ولا يجب بقتله شيء غير التّعزير، إلاّ أن يكون رسولاً للكفّار فلا يقتل، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل رسل مسيلمة‏.‏

فإذا قتل المرتدّ على ردّته، فلا يغسّل، ولا يصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين‏.‏

ودليل قتل المرتدّ قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من بدّل دينه فاقتلوه « وحديث‏:‏ » لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه إلاّ بإحدى ثلاثٍ‏:‏ النّفس بالنّفس، والثّيّب الزّاني والتّارك لدينه المفارق للجماعة «‏.‏

أمّا المرتدّة فهي عند جمهور الفقهاء كالمرتدّ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من بدّل دينه فاقتلوه «، ولما روى جابر » أنّ امرأةً يقال لها أمّ رومان ارتدّت فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلاّ قتلت «‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ المرتدّة لا تقتل، بل تحبس حتّى تتوب أو تموت، لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل الكافرة الّتي لا تقاتل أو تحرّض على القتال، فتقاس المرتدّة عليهما‏.‏

أثر الرّدّة على مال المرتدّ وتصرّفاته

ديون المرتدّ

41 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المرتدّ إذا مات أو قتل على ردّته ابتدئ من تركته بتسديد ديونه‏.‏

لكن هل يسدّد من كسبه في الإسلام ‏؟‏ أم من كسبه في الرّدّة ‏؟‏ أم منهما معاً ‏؟‏

اختلف الحنفيّة في ذلك بناءً على اختلافهم في مصير أموال المرتدّ وتصرّفاته، وفي ذلك يقول السّرخسيّ‏:‏ اختلفت الرّوايات في قضاء ديونه، فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن تقضى ديونه من كسب الرّدّة، فإن لم يف بذلك فحينئذٍ من كسب الإسلام، لأنّ كسب الإسلام حقّ ورثته، ولا حقّ لورثته في كسب ردّته، بل هو خالص حقّه، فلهذا كان فيئاً إذا قتل، فكان وفاء الدّين من خالص حقّه أولى، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه يبدأ بكسب الإسلام في قضاء ديونه، فإن لم تف بذلك فحينئذٍ من كسب الرّدّة، لأنّ قضاء الدّين من ملك المديون‏.‏ فأمّا كسب الرّدّة لم يكن مملوكاً له، فلا يقضى دينه منه، إلاّ إذا تعذّر قضاؤه من محلٍّ آخر‏.‏

وروى زفر عن أبي حنيفة أنّ ديون إسلامه تقضى من كسب الإسلام، وما استدان في الرّدّة يقضى من كسب الرّدّة، لأنّ المستحقّ للكسبين مختلف، وحصول كلّ واحدٍ من الكسبين باعتبار السّبب الّذي وجب به الدّين، فيقضى كلّ دينٍ من الكسب المكتسب في تلك الحالة، ليكون الغرم بمقابلة الغنم، وبه قال زفر وإن لم يكن له مال اكتسبه في ردّته، كان ذلك كلّه فيه، لأنّه كسبه فيكون مصروفاً إلى دينه، ككسب المكاتب‏.‏

42 - وإذا أقرّ المرتدّ بدينٍ عليه فأبو حنيفة يقول‏:‏ إن أسلم جاز، أمّا إن قتل على ردّته، فلا يجوز إقراره إلاّ على ما اكتسبه بعد ردّته‏.‏

أمّا أبو يوسف فيرى أنّ إقراره كلّه جائز إن قتل مرتدّاً، أو تاب، وعند محمّدٍ إن قتل على ردّته أو مات، فإنّ إقراره بمنزلة إقرار المريض، يبتدأ أوّلاً بدين الإسلام، فإن بقي شيء كان لأصحاب ديون الرّدّة، لأنّ المرتدّ إذا أهدر دمه صار بمنزلة المريض‏.‏

وذهب الشّافعيّ إلى اعتبار إقرار المرتدّ عمّا قبل الرّدّة وخلالها، ما لم يوقف تصرّفه، فقد قال الشّافعيّ‏:‏ وكذلك كلّ ما أقرّ به قبل الرّدّة لأحدٍ، قال‏:‏ وإن لم يعرف الدّين ببيّنةٍ تقوم، ولا بإقرارٍ منه متقدّمٍ للرّدّة، ولم يعرف إلاّ بإقرارٍ منه في الرّدّة فإقراره جائز عليه وما دان في الرّدّة، قبل وقف ماله لزمه، وما دان بعد وقف ماله، فإن كان من بيعٍ ردّ البيع، وإن كان من سلفٍ وقف، فإن مات على الرّدّة بطل، وإن رجع إلى الإسلام لزمه‏.‏

أموال المرتدّ وتصرّفاته

43 - ذهب المالكيّة والحنابلة - غير أبي بكرٍ- والشّافعيّة في الأظهر، وأبو حنيفة إلى أنّ ملك المرتدّ لا يزول عن ماله بمجرّد ردّته، وإنّما هو موقوف على ماله فإن مات أو قتل على الرّدّة زال ملكه وصار فيئاً، وإن عاد إلى الإسلام عاد إليه ماله، لأنّ زوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك، ولاحتمال العود إلى الإسلام‏.‏

وبناءً على ذلك يحجر عليه ويمنع من التّصرّف، ولو تصرّف تكون تصرّفاته موقوفةً فإن أسلم جاز تصرّفه، وإن قتل أو مات بطل تصرّفه وهذا عند المالكيّة والحنابلة وأبي حنيفة‏.‏ وفصّل الشّافعيّة فقالوا‏:‏ إن تصرّف تصرّفاً يقبل التّعليق كالعتق والتّدبير والوصيّة كان تصرّفه موقوفاً إلى أن يتبيّن حاله، أمّا التّصرّفات الّتي تكون منجّزةً ولا تقبل التّعليق كالبيع والهبة والرّهن فهي باطلة بناءً على بطلان وقف العقود، وهذا في الجديد، وفي القديم تكون موقوفةً أيضاً كغيرها‏.‏

وقال أبو يوسف ومحمّد وهو قول عند الشّافعيّة‏:‏ لا يزول ملكه بردّته، لأنّ الملك كان ثابتاً له حالة الإسلام لوجود سبب الملك وأهليّته وهي الحرّيّة، والكفر لا ينافي الملك كالكافر الأصليّ، وبناءً على هذا تكون تصرّفاته جائزةً كما تجوز من المسلم حتّى لو أعتق، أو دبّر، أو كاتب، أو باع، أو اشترى، أو وهب نفذ ذلك كلّه، إلاّ أنّ أبا يوسف قال‏:‏ يجوز تصرّفه تصرّف الصّحيح، أمّا محمّد فقال‏:‏ يجوز تصرّفه تصرّف المريض مرض الموت، لأنّ المرتدّ مشرف على التّلف، لأنّه يقتل فأشبه المريض مرض الموت‏.‏

وقد أجمع فقهاء الحنفيّة على أنّ استيلاد المرتدّ وطلاقه وتسليمه الشّفعة صحيح ونافذ، لأنّ الرّدّة لا تؤثّر في ذلك‏.‏

والقول الثّالث‏:‏ عند الشّافعيّة - وصحّحه أبو إسحاق الشّيرازيّ - وهو قول أبي بكرٍ من الحنابلة أنّ ملكه يزول بردّته لزوال العصمة بردّته فما له أولى، ولما روى طارق بن شهابٍ أنّ أبا بكرٍ الصّدّيق قال لوفد بزاخّة وغطفان‏:‏ نغنم ما أصبنا منكم وتردّون إلينا ما أصبتم منّا، ولأنّ المسلمين ملكوا دمه بالرّدّة فوجب أن يملكوا ماله‏.‏

وعلى هذا فلا تصرّف له أصلاً لأنّه لا ملك له‏.‏

وما سبق إنّما هو بالنّسبة للمرتدّ الذّكر باتّفاق الفقهاء وهو كذلك بالنّسبة للمرتدّة الأنثى عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

وعند الحنفيّة لا يزول ملك المرتدّة الأنثى عن أموالها بلا خلافٍ عندهم فتجوز تصرّفاتها، لأنّها لا تقتل فلم تكن ردّتها سبباً لزوال ملكها عن أموالها‏.‏

أثر الرّدّة على الزّواج

44 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا ارتدّ أحد الزّوجين حيل بينهما فلا يقربها بخلوةٍ ولا جماعٍ ولا نحوهما‏.‏

ثمّ قال الحنفيّة‏:‏ إذا ارتدّ أحد الزّوجين المسلمين بانت منه امرأته مسلمةً كانت أو كتابيّةً، دخل بها أو لم يدخل، لأنّ الرّدّة تنافي النّكاح ويكون ذلك فسخاً عاجلاً لا طلاقاً ولا يتوقّف على قضاءٍ‏.‏

ثمّ إن كانت الرّدّة قبل الدّخول وكان المرتدّ هو الزّوج فلها نصف المسمّى أو المتعة، وإن كانت هي المرتدّة فلا شيء لها‏.‏

وإن كان بعد الدّخول فلها المهر كلّه سواء كان المرتدّ الزّوج أو الزّوجة‏.‏

وقال المالكيّة في المشهور‏:‏ إذا ارتدّ أحد الزّوجين المسلمين كان ذلك طلقةً بائنةً، فإن رجع إلى الإسلام لم ترجع له إلاّ بعقدٍ جديدٍ، ما لم تقصد المرأة بردّتها فسخ النّكاح، فلا ينفسخ، معاملةً لها بنقيض قصدها‏.‏ وقيل‏:‏ إنّ الرّدّة فسخ بغير طلاقٍ‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إذا ارتدّ أحد الزّوجين المسلمين فلا تقع الفرقة بينهما حتّى تمضي عدّة الزّوجة قبل أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، فإذا انقضت بانت منه، وبينونتها منه فسخ لا طلاق، وإن عاد إلى الإسلام قبل انقضائها فهي امرأته‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ إذا ارتدّ أحد الزّوجين قبل الدّخول انفسخ النّكاح فوراً وتنصّف مهرها إن كان الزّوج هو المرتدّ، وسقط مهرها إن كانت هي المرتدّة‏.‏

ولو كانت الرّدّة بعد الدّخول ففي روايةٍ تنجّز الفرقة‏.‏ وفي أخرى تتوقّف الفرقة على انقضاء العدّة‏.‏

حكم زواج المرتدّ بعد الرّدّة

45 - اتّفق الفقهاء على أنّ المسلم إذا ارتدّ ثمّ تزوّج فلا يصحّ زواجه، لأنّه لا ملّة له، فليس له أن يتزوّج مسلمةً، ولا كافرةً، ولا مرتدّةً‏.‏

مصير أولاد المرتدّ

46 - من حمل به في الإسلام فهو مسلم، وكذا من حمل به في حال ردّة أحد أبويه والآخر مسلم، قال بذلك الحنفيّة والشّافعيّة، لأنّ بداية الحمل كان لمسلمين في دار الإسلام، وإن ولد خلال الرّدّة‏.‏

لكن من كان حمله خلال ردّة أبويه كليهما، ففيه خلاف، فذهب الحنفيّة والمالكيّة، وهو المذهب عند الحنابلة والأظهر عند الشّافعيّة، إلى أنّه يكون مرتدّاً تبعاً لأبويه فيستتاب إذا بلغ‏.‏

وفي روايةٍ للحنابلة وقولٍ للشّافعيّة أنّه يقرّ على دينه بالجزية كالكافر الأصليّ، واستثنى الشّافعيّة ما لو كان في أصول أبويه مسلم فإنّه يكون مسلماً تبعاً له، واستثنى المالكيّة أيضاً ما لو أدرك ولد المرتدّ قبل البلوغ فإنّه يجبر على الإسلام‏.‏

إرث المرتدّ

47 - اختلف الفقهاء في مال المرتدّ إذا قتل، أو مات على الرّدّة على ثلاثة أقوالٍ‏:‏

أ - أنّ جميع ماله يكون فيئاً لبيت المال، وهذا قول مالكٍ، والشّافعيّ وأحمد‏.‏

ب - أنّه يكون ماله لورثته من المسلمين، سواء اكتسبه في إسلامه أو ردّته، وهذا قول أبي يوسف ومحمّدٍ‏.‏

ج - أنّ ما اكتسبه في حال إسلامه لورثته من المسلمين، وما اكتسبه في حال ردّته لبيت المال، وهذا قول أبي حنيفة‏.‏

ولا خلاف بينهم في أنّ المرتدّ لا يرث أحداً من أقاربه المسلمين لانقطاع الصّلة بالرّدّة‏.‏

كما لا يرث كافراً، لأنّه لا يقرّ على الدّين الّذي صار إليه‏.‏ ولا يرث مرتدّ مثله‏.‏

ووصيّة المرتدّ باطلة لأنّها من القرب وهي تبطل بالرّدّة‏.‏

أثر الرّدّة في إحباط العمل

48 - قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏‏.‏

قال الألوسيّ تبعاً للرّازيّ‏:‏ إنّ معنى الحبوط هو الفساد‏.‏

وقال النّيسابوريّ‏:‏ إنّه أتى بعملٍ لس فيه فائدة، بل فيه مضرّة، أو أنّه تبيّن أنّ أعماله السّابقة لم يكن معتدّاً بها شرعاً‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ بأنّ الحبوط يكون بإبطال الثّواب، دون الفعل‏.‏

وقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ مجرّد الرّدّة يوجب الحبط، مستدلّين بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ‏}‏‏.‏

أمّا الشّافعيّة فقالوا‏:‏ بأنّ الوفاة على الرّدّة شرط في حبوط العمل، أخذاً من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ‏}‏ فإن عاد إلى الإسلام فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه يحبط ثواب العمل فقط، ولا يطالب الإعادة إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه‏.‏

أثر الرّدّة على العبادات

تأثير الرّدّة على الحجّ

49 - يجب على من ارتدّ وتاب أن يعيد حجّه عند الحنفيّة، والمالكيّة، وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ليس على من ارتدّ ثمّ تاب أن يعيد حجّه‏.‏

أمّا الحنابلة فالصّحيح من المذهب عندهم‏:‏ أنّه لا يلزمه قضاؤه، بل يجزئ الحجّ الّذي فعله قبل ردّته‏.‏

تأثير الرّدّة على الصّلاة والصّوم والزّكاة

50 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم وجوب قضاء الصّلاة الّتي تركها أثناء ردّته، لأنّه كان كافراً، وإيمانه يجبّها‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى وجوب القضاء‏.‏

ونقل عن الحنابلة القضاء وعدمه‏.‏ والمذهب عندهم عدم وجوب القضاء‏.‏

فإن كان على المرتدّ الّذي تاب صلاة فائتة، قبل ردّته أو صوم أو زكاة فهل يلزمه القضاء ‏؟‏ ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب القضاء، لأنّ ترك العبادة معصية، والمعصية تبقى بعد الرّدّة‏.‏

وخالف المالكيّة في ذلك، وحجّتهم أنّ الإسلام يجبّ ما قبله، وهو بتوبته أسقط ما قبل الرّدّة‏.‏

تأثير الرّدّة على الوضوء

51 - ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الوضوء ينتقض بالرّدّة، ولم يذكر الحنفيّة ولا الشّافعيّة الرّدّة من بين نواقض الوضوء‏.‏

ذبائح المرتدّ

52 - ذبيحة المرتدّ لا يجوز أكلها، لأنّه لا ملّة له، ولا يقرّ على دينٍ انتقل إليه، حتّى ولو كان دين أهل الكتاب‏.‏ إلاّ ما نقل عن الأوزاعيّ، وإسحاق، من أنّ المرتدّ إن تديّن بدين أهل الكتاب حلّت ذبيحته‏.‏